أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

مقدمة 26

العمدة في صناعة الشعر ونقده

وقد أورد ابن رشيق هذين البيتين للاعتذار عن التقصير في مدح علي بن أبي الرجال بما يستحقه ، وهذه طريقة معروفة عن المؤلفين في مثل هذا الأمر ، فلو قرأت مثلا مقدمة الحصري في زهر الآداب لوجدته في أثنائها يستشهد بأبيات يسند بعضها إلى نفسه وبعضها إلى غيره ، وبعضها يسكت عنه ، فهل المسكوت عنه يكون من صنعه ؟ ! ويشهد اللّه أنني كنت وضعت هذين البيتين في مقدمة النقاط التي لو تحدث عنها المحقق الهمام لانصرفت عن عملي ، بل وأحرقت عملي الذي يمثل جزءا كبيرا من عمرى الذي أنفقته عن رضا واقتناع مع هذا الكتاب . المهم إن المحقق الهمام كتب في الهامش ما نصه : « ليس البيتان في النتف للميمنى ، ولا في ديوان ابن رشيق لياغى » . ومعنى هذا القول من المحقق أنه اكتشف شيئا خطيرا ، وهو أن الميمنى الذي جمع شعر ابن رشيق وابن شرف لم ير هذين البيتين ، وأن الياغى الذي تفرغ لجمع شعر ابن رشيق في ديوان مستقل لم ير هذين البيتين ، وأن المحقق وحده هو الذي استدرك عليهما هذا التقصير ! ! وفي الحق إنني صدمت من هذا القول مرتين : الأولى : من جرأة المحقق في هذا القول ، الذي يقطع فيه بتقصير عالمين كبيرين أولهما معروف بأنه راهب في محراب الثقافة العربية الإسلامية ، وهو من هو في عالم التحقيق . والثانية : لأن المشرف على هذا العمل وهو الدكتور أمجد الطرابلسي يشترك في تحمل هذا الجرم ؛ وذلك لأنه لم يقرأ هذا القول ، ولو كان قرأه لكان له رأى آخر ؛ لأن الدكتور أمجد هو من هو في عالم الأدب والثقافة والتحقيق ، ولكن شأنه شأن الغالبية العظمى من المشرفين على الرسائل الذين لا يكلفون أنفسهم بقراءة العمل الذي يشرفون عليه . وعلى الرغم من جرأة المحقق في قوله فإنني قلت : اجتهد فأخطأ ، وإن حماسة الباحثين لأعمالهم تجعلهم يرتكبون أخطاء تصل إلى درجة الخطيئة . - لكن الطامة الكبرى ، والمصيبة العظمى عندما يقرأ القارئ في 1 / 72 البيت الآتي ، ولم يذكر ابن رشيق قائله : وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه * وأول الغيث قطر ثمّ ينسكب ثم يقرأ تعليق محقق آخر الزمان في الهامش ، وهو بنصه : « ليس البيت في النتف للميمنى ، ولا بديوان ابن رشيق لياغى » [ كذا كذا كذا ] . وإذا كنا تجاوزنا في البيتين السابقين وقلنا : إنه اجتهد فأخطأ وأن المشرف قصّر في عمله - فما ذا نقول في أمر هذا البيت وهو معروف لدى الأطفال الصغار الذي يحبون